سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
185
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
ولا يتسنى اليوم للسيف المجرد أن يحكم بأمة يدافع عنها مدافع العلم - وما مسألة الدين إلا ذريعة - تظهر بعد استكمال القوة للوصول لتلك الغاية وهي دفع الجهل والحكومة الجاهلة عن الحكم بأمة عالمة لها تاريخها ولسانها وآثارها ولو كانت بالية . وإذا كان للضغينة الدينية شيء من الدخل في إيجاد المسألة الشرقية والاحتفاظ بها . فإنها ليست هي كل أسباب المسألة - بدليل أن سلاطين آل عثمان فتحوا وترغلوا وضموا الممالك وكانوا يدينون بالإسلام . ومن دخل في ملكهم وتحت سيطرتهم - كانوا نصارى وأشد تمسكا بالنصرانية مما هم الآن . فلو كان أمر الدين هو الباعث على هذا الحقد والمناهضة لكان الأولى أن يظهر إذ ذاك وعدم ظهوره ، بل رضوخ الطوائف والإمارات النصرانية للحكم العثماني الإسلامي أكبر دليل على أن مسألة الدين لم تكن هي وحدها الفاعلة في أمر المسألة الشرقية التي امتدت وستمتد إلى غير تركيا وستعم كل قارة وكل حكومة تتفق في شكلها وحكمها وتفريطها مع حكومة تركيا . إذا تفحصنا عوامل تغلب الدول الإسلاميةعلى الحكومات النصرانية لوجدناه منحصرا في « القوة والعلم » . وهكذا يدول أمر الدول - انتصارا وانكسارا . والدول المسيحية اليوم إنما يغلبون الحكومات الإسلامية بالعلم - مصدر القوة وينغلب المسلمون بالجهل - مصدر الضعف . علم الأتراك يوم تسنى لهم فتح الممالك « علم الحروب وتعبية الجيش » - وجهل الأوروبيون ذلك ولم يضارعوهم فيه ، فانتصر الأتراك وانكسر الفرنجة . التزم الأتراك والسلاطين العظام منهم جانب الدين وكان على منصة المشيخة الإسلامية علماء أعلام وفقهاء وأجلاء عالمون عاملون بحقيقة وأحكام الإسلام - يصدر السلطان وأكابر دولته عن رأيهم وينزل على حكمهم - فعدلوا في الرعية وأمنوا من دخل في ذمتهم ، وسهلوا لهم الصعاب وحافظوا على جامعاتهم من دين ولسان وعادة ، فرضخ المستعمرون من الطوائف النصرانية لقوة العثمانيين وعدلهم وعلمهم بالنسبة لجهل غيرهم في تلك الأعصر .